|
قانون
الكمبيوتر
– النظرية والمشتملات
من
كتابه قانون الكمبيوتر – منشورات اتحاد المصارف العربية – 2001
المحامي
يونس عرب
|
الولادة والتطور التاريخي لقانون الكمبيوتر - موجات التشريع
في بيئة الكمبيوتر والانترنت |
ان القراءة التاريخية التحليلية لحركة التشريع في
حقل قانوني معين تقدم اساسا هاما لتحقيق رؤية شاملة في التعامل مع
هذا الحقل ، مسائله وتحدياته وبدونها ، ربما لا يتحقق الانسجام
والتناغم في الحلول والتدابير التشريعية التي تستهدف تنظيم هذا
الحقل ، ومن أسف ان التعامل مع تشريعات تقنية المعلومات في غالبية
النظم ، وربما حتى في اكثر الدول تقدما وانشطها في حقل تنظيم
مسائل تقنية المعلومات ، بقي ضمن رؤى جزئية جاءت قاصرة عن الاحاطة
الشاملة بالمتطلبات التشريعية والقانونية لهذا الحقل ، اذ يلحظ
الدارس ان التعامل مع تقنية المعلومات تشريعيا تم خلال حقب زمنية
متباينة وتناول قطاعات او موضوعات دون غيرها .
ان محاولة تقصي التدابير التشريعية في حقل تقنية المعلومات يعني
العودة الى بداية السبعينات ، فلماذا السبعينات ؟؟
ان
التطور التاريخي لتقنية المعلومات ، يشير الى ان السبعينات تحديدا
شهدت انتقالا حقيقيا في ميدان استخدام الحوسبة وتقاربها بانظمة
الاتصالات ، فالسبعينات شهدت التوجه نحو بناء الحواسيب الشخصية
وشهدت اتساعا تجاريا حقيقيا في استخدام الحوسبة ، وشهدت انجازات في
حقل تشبيك الحواسيب وربطها مهدت لولادة عصر الشبكات. وبالرغم من ان
العديد من المسائل المتصلة باستخدام الكمبيوتر قد اثيرت منذ
الخمسينات والستينات ، - كما سنعرض في الفصل الخاص بالخصوصية
والفصل الخاص بجرائم الكمبيوتر - الا ان تلك المعالجات لم تؤد الى
اتخاذ تدابير تشريعية ، لتكون ولادة القوانين الحقيقية ذات الصلة
بالكمبيوتر قد تحققت مع مطلع السبعينات .
ان المرور بمنحنيات الزمان والمكان والموضوع ،
سيحملنا ضمن منحنيات متداخلة ، اذ يتحقق التداخل بين الفترات
الزمنية لكل طائفة من التشريعات ، كما يتحقق التداخل بالنسبة
للموضوعات محل التنظيم ، ودون القفز الى النتائج في هذا المقام ،
فاننا سنعمد الى تقصي المسيرة التاريخية لتشريعات تقنية المعلومات
، من خلال تتبع موجات التشريع وتحديد اطارها العام فقط اما معالمها
والمحتوى العام للتشريعات لكل موجة منها وقائمة هذه التشريعات
فسيكون التفصيل بشانها موضوعا للفصول التالية .
ان تأقيت ولادة قانون الكمبيوتر او لنقل ملامحه
الاولى بدأ مع شيوع استعمال الكمبيوتر وانخفاض كلفه ، ولأنه اداة
جمع ومعالجة للمعلومات فقد كانت اول تحدياته القانونية اساءة
الاستخدام على نحو يضر بمصالح الافراد والمؤسسات ، ومعه نشأ
الارتباط بين القانون والكمبيوتر الذي انطلق من التساؤل فيما اذا
كانت انشطة اساءة استخدام الكمبيوتر تقيم مسؤولية قانونية ام انها
مجرد فعل غير مرغوب به اخلاقيا ؟ وما اذا كان يتعين تنظيم استخدام
الكمبيوتر ام لا ؟؟ وهذا التساؤل اثير في حقلين ، الاول :-
المسؤولية عن المساس بالافراد والمؤسسات عند اساءة التعامل مع
بياناتهم الشخصية المخزنة في نظم الكمبيوتر على نحو يمس اسرارهم
وحقهم في الخصوصية ، والثاني :- المسؤولية عن الافعال التي تمس او
تعتدي على اموال الافراد ومصالحهم وعلى حقهم في المعلومات ذات
القيمة الاقتصادية ، ولو دققنا في هذين الحقلين لوجدنا انفسنا امام
( الخصوصية ) و ( جرائم الكمبيوتر ) .
اذن ثمة حقيقة اولى ان ولادة قانون الكمبيوتر
ارتبط بالبحث في المسؤولية عن انشطة تتصل بالمعلومات ونظمها
وتحديدا في الحقل الجزائي.
والجدل الذي دار في ذلك الوقت ( الستينات تحديدا
وامتد الى مطلع السبعينات ) اشبه بالجدل الدائر منذ نحو خمس سنوات
بشأن الانترنت :- هل يتعين اخضاع التقنية الجديدة ، توظيفها
واستخدامها - للتنظيم القانوني ام تترك للتنظيم الذاتي ، او كما
يعبر عنه الفكر الراسمالي ( تنظيم السوق نفسه) فلا نكون امام قواعد
قانونية تقر من الاطر الحاكمة بل امام قواعد سلوكية وشروط عقدية .
في هذا الاطار فان اول حالة موثقة لاساءة استخدام
الكمبيوتر ترجع الى عام 1958 وفقا لما نشره معهد ستانفورد في
الولايات المتحدة الامريكية ، ليبقى الحديث من ذلك الوقت وحتى
مطلع السبعينات في اطار البعد الاخلاقي وقواعد السلوك المتعين ان
تحكم استخدام الكمبيوتر ولتتجه الجهود والمواقف نحو حسم الجدل
باعتبار اساءة استخدام الكمبيوتر فعلا موجبا للمسؤولية القانونية ،
ولتنطلق التشريعات الوطنية في حقل جرائم الكمبيوتر مع نهاية
السبعينات ( تحديدا في الولايات المتحدة ابتداء من 1978 ) . اما
الجهد الدولي فقد تحقق ابتداء في حقل الخصوصية ، ففي عام 1968 ،
شهد مؤتمر الامم المتحدة لحقوق الانسان ، طرح موضوع مخاطر
التكنولوجيا على الحق في الخصوصية ، اذ بالرغم من ان الحق في
الخصوصية نشا قبل هذا التاريخ وحظي بجدل قانوني وقضائي وفكري منذ
مئات السنين ، فانه لم يكن ثمة اثارة لما يتصل بهذا الحق متعلقا
بالمعلومات الشخصية المعالجة آليا بالقدر الذي اثير في المؤتمر
المشار اليه ، والذي استتبعه اصدار الامم المتحدة - كما سنرى -
قرارات في هذا الحقل لتشهد بداية السبعينات ( تحديدا عام 1973 في
السويد ) انطلاق تشريعات قوانين حماية الخصوصية مع الاشارة الى
انها نوقشت في نظم قانونية اجنبية كثيرة - كدول اوروبا الغربية
مثلا - ضمن مفهوم حماية البيانات
Data Protection
.
اذن الحقيقة الثانية ، ان الخصوصية وحماية
البيانات تمثل اول حقل من حقول قانون الكمبيوتر من حيث الاهتمام
التنظيمي الدولي مع انها ترافقت مع الحديث حول جرائم الكمبيوتر
وكما يظهر من تواريخ انطلاق التشريعات الوطنية فانهما سارا معا من
حيث التدابير التشريعية الوطنية مع اسبقية لتشريعات الخصوصية طبعا
مع موجة تشريعات الحماية القانونية للبرمجيات كما سنرى.
ولأن السبعينات شهدت بحق الادراك العميق لأهمية
برامج الكمبيوتر وباتت تشير الى انها ستكون القيمة الاكثر اهمية من
بين عناصر تقنية المعلومات وستفوق عتاد الكمبيوتر المادي في
اهميتها ، فان مطلع السبعينات شهد جدلا واسعا حول موقع حماية برامج
الكمبيوتر ، أهي قوانين براءات الاختراع بوصف البرنامج من المصنفات
القابلة للاستثمار في حقل صناعات الكمبيوتر ام انها تشريعات حق
المؤلف باعتبار البرنامج في الاساس ترتيب منطقي لاوامر كتابية ،
هذا الجدل ربما لم يمنع من ان يتفق الجميع على وجوب الحماية ، لكن
الخلاف كان في موضعها ، فالى جانب هذين التوجيهين ، كان ثمة آراء
تجد في القواعد القانونية المدنية والشروط العقدية ( تحديدا في حقل
المنافسة والاسرار ) موضعا مناسبا لحماية حقوق المبرمجين . في هذه
البيئة الجدلية بدات تظهر التدابير التشريعية في حقل حماية
البرمجيات اعتبارا من 1973 ( في الفلبين ) مع ان موجة هذه
التشريعات يتم ارجاعها للثمانينات لان الاخيرة شهدت تدابير تشريعية
وطنية واسعة في حقل حماية البرمجيات بسبب الاثر الذي تركته القواعد
النموذجية لحماية برامج الكمبيوتر الموضوعة من خبراء المنظمة
العالمية للملكية الفكرية ( الوايبو ) عام 1978
وصحيح ان تشريعات حماية البرامج ترافقت مع تشريعات
الخصوصية وجرائم الكمبيوتر ، لكنها كانت اسرع تناميا واوضح من حيث
الرؤى للمحتوى ولمستقبل هذه التشريعات ، ولهذا فانها اوسع مدى من
حيث عددها واذا اردنا ان نعرف السر فانه في الحقيقة يرجع الى
عاملين أساسيين ، الاول:- وجود المنظمة العالمية للملكية الفكرية (
الوايبو ) ، التي ساهمت عبر ملتقياتها وادلتها الارشادية وقوانينها
النموذجية في حسم الجدل بشان موضع حماية البرمجيات ليكون قوانين حق
المؤلف . والثاني :- التوجه الاستراتيجي للاسواق الراسمالية
للاستثمار في حقل الملكية الفكرية ومصنفاتها كمقدمة لبناء الاقتصاد
الرقمي الذي بدأت اول ملامحه في اتجاه الولايات المتحدة الامريكية
مدفوعة بتأثير الشركات متعددة الجنسيات لوضع الملكية الفكرية ضمن
اجندة اتفاقيات تحرير التجارة والخدمات ومساومة الولايات المتحدة
العالم كله على قبول اتفاقيات تحرير التجارة في البضائع مقابل
انجاز تقدم في حقلي تحرير الخدمات والملكية الفكرية
(2)
.
ولا يعني هذا ان بقية موضوعات تقنية المعلومات لم
تحظ بدعم واهتمام هيئات دولية ، لكن الفرق ان ايا منها حتى ذلك
الوقت لم يكن موضع عمل منظمة متخصصة فيه كما هو حال منظمة الوايبو
التي تتولى رعاية الملكية الفكرية وادارة اتفاقياتها .
اذن الحقيقة
الثالثة ، ان اكثر تشريعات قانون الكمبيوتر نضجا ووضوحا في اغراضها
القوانين او التدابير التشريعية المتعلقة بحماية الملكية الفكرية
لبرامج الكمبيوتر.
وفيما بعد قواعد البيانات والدوائر المتكاملة.
ويتصور ان تحقق هذه التشريعات
ايضا حماية اوسع في السنوات القادمة في حقل اسماء مواقع الانترنت
والمحتوى الرقمي لمواقع الانترنت.
وقبل ان نتواصل مع حقائق التاريخ ، علينا ان نصل في
هذا المقام الى استنتاج ، ان مطلع السبعينات شهد الانطلاقة الحقيقة
لموجة تشريعات الخصوصية وان السبعينات ايضا ( وعلى امتداد
الثمانينات والتسعينات) شهد انطلاقة الموجة الثانية المتمثلة
بقوانين جرائم الكمبيوتر ، في حين شهدت الثمانينات ( فعليا )
انطلاقة موجة ثالثة من التشريعات المتصلة بالكمبيوتر هي موجة
تشريعات حماية البرمجيات التي تمثل المصنف الاهم من بين المصنفات
الرقمية ذات الاتصال بالكمبيوتر .
ثلاثة موجات تشريعية :- تشريعات الخصوصية ( حماية
الحق في البيانات الشخصية من مخاطر التكنولوجيا ) ، قوانين جرائم
الكمبيوتر ( الاعتداء على نظم المعلومات والمعلومات ببعدها
الاقتصادي ) وتشريعات حماية برامج الكمبيوتر ( الملكية الفكرية ) .
هذه حقول ثلاثة في ساحة قانون الكمبيوتر ، وسنجد
بعد قليل ان ثمة حقل رابع يكاد يكون الوعاء الذي يضمها جميعا وهو
حقل الاعمال الالكترونية ، لكن يفصل بين حقل الاعمال الالكترونية
والحقول الثلاثة ، حقول اخرى ربما لا تكون مستقلة بشكل كاف في
مبناها عن الفروع القانونية التي تتبعها لكنها بالتاكيد خلقت
تغيرات جوهرية استلزمتها تقنية المعلومات .
فأول الحقول التي برزت عقب الحقول الثلاثة المتقدمة
، قواعد الاجراءات الجنائية للاستدلال والتحقيق والاثبات وإجراءات
المحاكمة المتفقة مع طبيعة الاعتداءات في الدعاوى التي تتعلق
بجرائم الكمبيوتر او الاعتداء على الخصوصية وحتى في حقل قرصنة
برمجيات الحاسوب المخزنة داخل النظم او المحملة مع الاجهزة .
وبالرغم من ان الدول الاوروبية واستراليا كذلك قد تنبهت لهذا
الموضوع مبكرا مع مطلع السبعينات الا ان الموجة التشريعية المتصلة
بهذه القواعد بدات حقيقة وعلى نطاق واسع في منتصف الثمانينات (
ابتداء من عام 1984 بريطانيا).
تبع هذا الحقل تدابير تشريعية في ثلاثة حقول اخرى
كان للانترنت وشبكات المعلومات ونماء استثمارات الخدمات التقنية
الدور في توجيه الاهتمام الحقيقي بها، بل في ولادة مفهوم جديد
لبداياتها التي ظهرت قبل شيوع الانترنت ، فمع تحول الانترنت الى
الاستخدام التجاري الواسع ، ظهرت تحديات قانونية جديدة ، بعضها ذو
اتصال بتحديات سابقة أو قائمة ، كتحديات حماية امن المعلومات في
حقلي الخصوصية وجرائم الكمبيوتر وحماية البرامج في بيئة الانترنت
ذاتها ، لما اتاحته من تسهيل ارتكاب الاعتداءات بعد ان وفرت مدخلا
سهلا الى نظم الكمبيوتر المرتبطة ضمنها . وتحديات اخرى أوجبتها
انماط السلوك الجدية التي ولدت بولادة الانترنت ، كالبيع والشراء
على الشبكات وادء الخدمة عبر الانترنت ، ومن هذه التحديات التنظيم
القانوني للتجارة الالكترونية . هذه التحديات التي اوجدتها او
ضخمتها الانترنت او عدلت في نطاقها ومخاطرها وجديتها ، رافقها
موجات تشريعية بدات في حقل ما يعرف بتنظيم الامن المعلوماتي
والمعايير التقنية وتحديدا ما يتصل بتشفير البيانات ، التي انطلقت
في عام 1990 من فرنسا تحديدا ، ثم في حقل مكافحة المحتوى غير
القانوني للمعلوماتية ، الذي انطلق عام 1996 في امريكا . واخيرا
الحقل الاكثر اثارة للجدل واوسعها تنظيما ، حقل الاعمال
الالكترونية الذي اشرنا اعلاه الى انه الحقل الرابع المركزي الى
جانب جرائم الكمبيوتر والخصوصية والملكية الفكرية . وحقل الاعمال
الالكتروني ليس لاحقا للحقول الاخيرة الثلاث ، انما قد نجد تشريعات
في اطاره ، كالتشريعات المتعلقة بتقنيات الاعمال المصرفية ، او تلك
المتعلقة بحجية الاثبات بالوسائل الالكترونية ، سابق بسنوات عديدة
للحقول المشار اليها ، لكن قولنا بانه الحقل الاخير زمنيا يرجع الى
تبلور مفاهيم شمولية جديدة في حقل الاعمال الالكترونية عكسها
تحديدا مفهوم التجارة الالكترونية والبنوك الالكترونية . وهذا
المفهوم الشامل نجد انه انطلق مع عام 1996 الذي شهد اقرار القانون
النموذجي للتجارة الالكترونية من قبل لجنة الامم المتحدة لقانون
التجارة (اليونسترال) . وسنجد ان دولا على المستوى التشريعي كانت
قد بدات الاهتمام بمسائل الاعمال الالكترونية ( كالاثبات بالوسائل
الالكترونية وحجية مستخرجات الحاسوب والتنظيم القانوني لبطاقات
الائتمان وغيرها ) من اواخر السبعينات وبداية الثمانينات ، لكنها
لم تكن ضمن التصور الشامل للتجارة الالكترونية التي ارتبطت واقعا
بانشطة الاستثمار على الانترنت .
اما من حيث الاطر الدولية العاملة في ميادين
الموضوعات المتقدمة ، فاننا سنجد الجهد الاساسي والمميز موزع بين
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وهيئات اوروبا ( مجلس اوروبا
والمفوضية الاوروبية واتحاد اوروبا والبرلمان الاوروبي ) والامم
المتحدة ، ومجموعة الدول الصناعية الثمانية والوايبو ، والانتربول
، ومنظمة التجارة الدولية وغيرها من المنظمات.
اذن
هذا خط اندلاع موجات تشريعات قانون الكمبيوتر :-
الخصوصية ، جرائم الكمبيوتر ، الملكية الفكرية
للمصنفات الرقمية ، الاجراءات الجنائية في البيئة الرقمية ،
المعايير والمواصفات والاطر التنظيمية للتقنية وتاثيرها على النشاط
الاداري والخدمي ، المحتوى غير القانوني للمعلوماتية ، الاعمال
الالكترونية وتحديدا التجارة الالكترونية ، وفي اطار كل منهما ثمة
تشريعات ومجهودات دولية واقليمية وسياسات واستراتيجيات ومحتوى
ومشكلات ايضا
.
|